في الوقت الذي يعزز فيه تقرير وظائف قوي صدر يوم الجمعة مبررات رفع أسعار الفائدة الأمريكية، يضغط الرئيس دونالد ترامب مجددًا على مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخطوة غير مسبوقة، مهددًا بوقف التجارة مع بعض الدول ما لم يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة.

ويواجه رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش بذلك ضغوطًا متعارضة؛ فإما أن يخاطر بإغضاب الرئيس من خلال تشديد السياسة النقدية في اجتماع البنك المقرر بعد أسبوعين، أو يتجنب رفع الفائدة ويخاطر بالإضرار بمصداقيته بعد تصريحاته المتشددة مؤخرًا.

ومن المرجح أن يتوقف القرار، الذي سيصدر قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، التي يدافع فيها الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب عن أغلبيته المحدودة في الكونجرس، على ما إذا كانت بيانات التضخم المقرر صدورها الأسبوع المقبل ستظهر استمرار الضغوط السعرية في التراجع مؤخرًا، أو بقائها عند مستويات مرتفعة بشكل مقلق.

وتجاوز التضخم مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% لمدة 5 سنوات ونصف، وقال وورش يوم الجمعة الماضي إنه يحتاج إلى التأكد من أن التضخم يتحرك مجددًا نحو المستهدف “بوضوح وبسرعة كافية”، وإلا “فلا يزال أمامنا عمل يتعين القيام به”، في تصريحات اعتُبرت على نطاق واسع تمهيدًا لاحتمال رفع أسعار الفائدة في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر.

وقال ترامب، بعد وقت قصير من إعلان مكتب إحصاءات العمل أن أصحاب الأعمال أضافوا قرابة ثلاثة أمثال الوظائف التي توقعها الاقتصاديون في أغسطس: “يجب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بقيادته الجديدة العظيمة، أن يتصرف بذكاء – وأن يكون وطنيًا هذه المرة”.

وأضاف ترامب: “أسعار الفائدة المرتفعة تضع الولايات المتحدة في وضع غير عادل للغاية، ولن أسمح بحدوث ذلك!” وكان ترامب قد طالب مرارًا بخفض الفائدة، لكنه لم يهاجم وورش شخصيًا لعدم قيامه بذلك، كما فعل مع سلفه جيروم باول.

وقال أيضًا: “الدولة القوية تعني سعر فائدة أقل – إنه ائتمان أفضل… الأمر بسيط جدًا!”، في موقف يتعارض مع النظريات الاقتصادية التقليدية التي ترى أن الاقتصاد القوي المصحوب بتضخم مرتفع يتطلب سياسة نقدية أكثر تشددًا وليس أقل تشددًا.

وواصل ترامب هجومه يوم الجمعة على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، الذين فرض عليهم رسومًا جمركية أعلى بكثير، أسهمت في زيادة ضغوط الأسعار، التي تفاقمت مؤخرًا بسبب تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وازدهار الطلب الاستثماري المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وأسهم العاملان الأخيران في رفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل، ما جعل الاقتراض الحكومي أكثر تكلفة وزاد من أزمة القدرة على تحمل التكاليف للأسر الأمريكية، وهو ما يضعف الدعم السياسي لترامب.

ورغم مطالب ترامب، تزايد التركيز على احتمال رفع أسعار الفائدة. وأظهر أحدث تقرير للوظائف أن الوظائف غير الزراعية ارتفعت بمقدار 162 ألف وظيفة الشهر الماضي، كما عاد مزيد من العمال إلى سوق العمل.

وارتفعت نسبة المشاركة في قوة العمل إلى 61.6%، مدفوعة بزيادة قدرها 300 ألف شخص انتقلوا من خارج سوق العمل مباشرة إلى وظائف، إلى جانب انخفاض عدد العاملين أو الباحثين عن عمل الذين غادروا سوق العمل.

وأبقى ارتفاع حجم قوة العمل معدل البطالة مستقرًا عند 4.1% لأسباب يمكن اعتبارها إيجابية إلى حد كبير، إذ زاد عدد العاملين أو الباحثين عن وظائف بعد فترة من التراجع نُسبت إلى تشديد قواعد وإنفاذ قوانين الهجرة. كما انخفض معدل البطالة بين السود، الذي عادة ما يكون أعلى من المعدل الإجمالي، إلى 6% في أغسطس بعد ارتفاعه إلى 8% في الخريف الماضي.

في المقابل، ظل نمو الأجور بالساعة عند 3.1%، ضمن نطاق يتوافق مع مستهدف الاحتياطي الفيدرالي للتضخم البالغ 2%.

وكان مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي قد وصفوا سوق العمل خلال الأشهر الماضية بأنه قوي، مع عدم اعتبار نمو الأجور مصدرًا إضافيًا لضغوط التضخم.

ورغم قوة تقرير الوظائف الأخير، فإنه قد لا يغير هذا التقييم العام، ما يسلط الضوء على بيانات أسعار المستهلكين المقرر صدورها يوم الجمعة المقبل، والتي قد تحسم مبررات رفع الفائدة، أو تعزز في حال جاءت ضعيفة الدعوات إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.