على مدى ثلاثين عاماً، أعادت التكنولوجيا الرقمية صياغة أركان الاقتصاد العالمي؛ فقد نجحت بشهرة واسعة في “جعْل العالم مسطحاً”، وتوثيق أواصر الأسواق والتجارة والإنتاج عبر الحدود. ومن السيارات الهواتف الذكية إلى أشباه الموصلات والريبوتات الصناعية، لم يعد هناك منتج معقد يُصنع في بقعة واحدة بمفردها.

ثم جاءت الجائحة، وأزمة الطاقة، ونقص العمالة، والتوترات الجيوسياسية، لِتكشف مدى هشاشة هذا “العالم المسطح” الذي نعيش فيه. وتباعاً، تعكف الشركات حالياً على إعادة ضبط بوصلتها؛ موازنةً بين المرونة الجيوسياسية من جهة، والتكلفة والكفاءة من جهة أخرى، عند اتخاذ قرارات الاستثمار والتوريد والإنتاج. ونتيجةً لذلك، بدأت تتبلور ملامح شكل جديد من العولمة أكثر إقليمية ومحليّة.

وبينما أسهمت الثورة الرقمية الأولى في مساعدة الشركات على تنسيق سلاسل التوريد العالمية، تأتي الثورة الراهنة لِتُعيد الإنتاج إلى طابعه المحلي من جديد. فالصناعة تتجه اليوم لتكون أقرب إلى المستهلكين، يربط بين أطرافها نسيجٌ من الاتصالات الرقمية القائمة على البرمجيات، والبيانات، والذكاء الاصطناعي.

في “مصانع المنارة” (Lighthouse Factories) — وهو مسمى يطلقه المنتدى الاقتصادي العالمي على أكثر من 200 موقع تصنيع ذكي — نجحت هذه النهج الجديدة في رفع إنتاجية العمالة بنحو 40%، وتقليص الوقت اللازم لتكييف خطوط الإنتاج إلى النصف تقريباً. بيد أن توسيع نطاق هذه المكاسب يظل مرهوناً بقدرة الآلات والمصانع والشركات على تبادل البيانات وإعادة استخدام الحلول التكنولوجية.

تخضع البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي لـ “اقتصاديات” تختلف كلياً عن المكونات الصلبة كالخرسانة والصلب. فالمصانع والآلات والبنية التحتية سيتعين دائماً بناؤها وتكييفها في كل سوق على حدة؛ أما النماذج الرقمية، أو التطبيقات البرمجية، أو أدوات الذكاء الاصطناعي، فيمكن تطويرها وتحسينها في مكان ما، ثم إعادة استخدامها في مواقع أخرى لا حصر لها، شرط أن تمتلك الأنظمة القدرة على التبادل والوصول للبيانات ذات الصلة. وبسريان هذه الشروط المثالية، تستطيع المصانع تطويع التصاميم التي أثبتت نجاحها لتلائم الاحتياجات المحلية، وتنتشر العمليات الأكثر كفاءة، وتصل المنتجات إلى أسواق جديدة دون الحاجة للبدء من الصفر في كل مرة.

هذا المنطق الاقتصادي المتين كافٍ لتحفيز الشركات المتنافسة على مد جسور التواصل والربط التي تسمح للتكنولوجيا بالعمل عبر الحدود الوطنية.

وتعد “المعايير الموحدة” أقصر الطرق وأكثرها سلاسة لتحقيق ذلك؛ حيث يعمل الجميع وفق قواعد واحدة منذ البداية. وتأتي “التوافقية التشغيلية” (Interoperability) كخيار ثانٍ أمثل؛ إذ تسمح للأنظمة المختلفة بالعمل معاً دون الحاجة لأن تكون متطابقة. ولعل خير مثال على ذلك، التعاون الأوروبي-الياباني الأخير الذي ربط بين شبكات صناعية للسيارات مستقلة، مع احتفاظ كل شبكة ببنيتها الهيكلية الخاصة.

غير أنه في الوقت الذي تُشيد فيه الشركات الجسور، تتمادى الجيوسياسية في رسم الحدود. فالانقسام التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين يعيد تشكيل المشهد العالمي، في ظل سعي الحكومات لفرض سيطرة أكبر على التكنولوجيا، والبيانات، وسلاسل التوريد. وباتت ضوابط التصدير، وقواعد توطين البيانات، والمتطلبات السايبرانية المتضاربة، ترسم خطوط تماس وفاصلة جديدة في قلب التكنولوجيا العالمية.

إن كل حائط صد جديد يضاعف من صعوبة ربط الأنظمة، وتوسيع نطاق المبادرات الناجحة، وتوفير منتجات أفضل للأسواق. وإذا استمر هذا الاتجاه دون كبح، فقد تتصلب الحدود الرقمية لتتحول إلى “ستار حديدي رقمي” — مما يتباطأ معه قطار التقدم والتجارة وتبادل الأفكار بين المجتمعات.

هذا التحدي يمس العالم بأسره؛ لكن أوروبا — القابعة بين الفكّين للقوتين التكنولوجيتين العظميين — لديها مصلحة جوهرية خاصة في صياغة الإجابة، وفرصة فريدة لتشكيل معالمها. فبدلاً من بناء “حديقة مغلقة” جديدة، يمكن لأوروبا أن تتحول إلى “مُوصِّل موثوق” (Trusted Connector): ساحة تلتقي وتتكامل فيها الشركات والتكنولوجيات والبيانات القادمة من مختلف الأقاليم.

غير أن تحقيق ذلك يتطلب بناء منظومة استثمارية وتكنولوجية يطمح الآخرون للانضمام إليها. لن تتمكن أوروبا من لعب دور “المُوصِّل العالمي” إذا ظلت شهرتها المقترنة بها هي تنظيم التكنولوجيا وحظرها بدلاً من ابتكانها. وعليها الآن تهيئة البيئة الملائمة للشركات لكي تمارس ما تجيده على أمل أكمل.

يجب أن تغدو “التوافقية التشغيلية” ضرورة استراتيجية للاتحاد الأوروبي. كما يظل توسيع نطاق السوق الموحدة — للخدمات والمنتجات الرقمية تماماً كما هو الحال مع بقية القطاعات — خطوة حتمية لبناء المصداقية والقدرة على حد سواء. وحيثما غابت المعايير الموحدة، يجب أن تتصدر الأولوية تطوير “واجهات برمجة” قادرة على التنقل بين الأنظمة المختلفة، سواء عبر الشركات، أو التحالفات الصناعية، أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وأخيراً، ينبغي لأوروبا أن تجعل من “التوافقية التشغيلية” حجر الزاوية في دبلوماسيتها الاقتصادية. فهذا العالم المترابط لا يمكن بناؤه بشكل منفرد؛ وتُشكل شراكة التجارة الرقمية الناشئة مع اقتصادات منطقة الهادي (بما فيها اليابان وأستراليا وكندا) نموذجاً واعداً لكيفية الجمع بين المنظومات المختلفة تحت مظلة واحدة.

ويبقى السؤال الأكبر مطروحاً على الساحة العالمية: هل ستُبنى المرونة الاقتصادية على أساس الشراكة والروابط، أم على أنظمة صُممت ليعزل بعضها بعضاً؟ الإجابة عن هذا السؤال هي ما سيحدد ما إذا كان عالمنا — الذي بات أكثر إقليمية — قادراً على أن يظل متصلاً ببعضه البعض.

المقال منشور عبر financial times