قبل أكثر من 80 عامًا، ركّز جون ماينارد كينز أعماله على استمرار الاختلالات الاقتصادية العالمية. وحاول الاقتصادي الكبير معالجة ما وصفه بـ”المشكلة الدولية المزمنة” خلال مؤتمر بريتون وودز عام 1944، من خلال إنشاء غرفة مقاصة دولية. لكن الاتفاق النهائي للمؤتمر تضمن مجموعة أضعف من الحلول لمعالجة هذه الاختلالات.

وتذبذب الاهتمام بمسألة الاختلالات خلال العقود التالية، قبل أن تعود إلى صدارة النقاش حول السياسات الاقتصادية في السنوات الأخيرة. واتسعت الاختلالات العالمية مجددًا في عام 2025، بعد اتجاهها إلى التضييق بصورة مطردة خلال العقد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات صعبة بشأن مدى استدامتها.

وكانت فكرة كينز بسيطة لكنها عميقة: في عالم مترابط اقتصاديًا، لا تستطيع الدول الادخار أو الإنفاق أو الاقتراض بصورة مستقلة. تخيل حيًا صغيرًا؛ أسرة تدخر معظم ما تكسبه، بينما تنفق أسرة أخرى أكثر من دخلها وتقترض لتغطية الفارق. وقد يستمر هذا الترتيب لفترة، إذ تجد الأسرة المدخرة مقترضًا موثوقًا وتحصل على عائد، في حين تستمتع الأسرة المنفقة بمستوى معيشة مريح. لكن مع تراكم الديون وترسخ هذه الأوضاع، يمكن أن يتحول ما بدأ كترتيب ملائم للطرفين إلى وضع هش ويؤدي إلى توترات.

والاختلالات العالمية هي النسخة الدولية من هذه القصة، وتشير إلى أنماط الفوائض والعجوزات بين الدول. ولكل دولة حساب مع بقية العالم يُعرف باسم الحساب الجاري، ويسجل قيمة السلع والخدمات التي تبيعها وتشتريها من الخارج، إلى جانب تدفقات الدخل المرتبطة بالمعاملات الأجنبية. وعندما تبيع دولة أكثر مما تشتري، فإنها تسجل فائضًا وتقرض بقية العالم. أما عندما تشتري أكثر مما تبيع، فعليها الاقتراض من دول أخرى وتسجيل عجز.

الادخار والاستثمار

في جوهره، يعكس رصيد الحساب الجاري فكرة بسيطة: الفرق بين ما تدخره الدولة وما تنفقه. وهذه ليست مجرد هوية محاسبية، وإنما تعكس قرارات معقدة واستشرافية يتخذها الفاعلون الاقتصاديون. فالأسر تستهلك والشركات تستثمر عندما تتوقع ارتفاع الدخول مستقبلًا أو تواجه نقصًا مؤقتًا. كما تدخر الأسر عندما يتجاوز دخلها مستوى الاستهلاك الذي تريده، أو عندما تكون فرص الاستثمار محدودة، أو عندما تخشى ضعف الاقتصاد وترغب في الاحتفاظ بالمال.

وتؤدي أسعار الصرف دورًا أيضًا، لكن غالبًا ما يساء فهم هذا الدور. وتميل عملة الدولة إلى الارتفاع أو الانخفاض للحفاظ على توافق التجارة بصورة عامة مع توازن الادخار والاستثمار. وبعبارة أخرى، تميل أسعار الصرف إلى عكس أوضاع الحساب الجاري أكثر من كونها المحرك لها.

ومن هذا المنظور، لا تتعلق الاختلالات العالمية أساسًا بالقدرة التنافسية التجارية، وإنما تعكس اختلافات هيكلية في أنماط الادخار والاستثمار المحليين بين الدول، مدفوعة، على سبيل المثال، بالعوامل الديموغرافية وآفاق النمو والتطور المالي وأطر السياسات.

ويعكس اتساع الاختلالات في الآونة الأخيرة، في الغالب، تطورات شهدها أكبر اقتصادين في العالم. ففي الصين، أدى تراجع سوق العقارات قبل خمسة أعوام إلى انخفاض الاستثمار المحلي مع توقف بناء المنازل الجديدة، فيما خفضت الأسر إنفاقها وزادت مدخراتها. وفي الولايات المتحدة، أدى العجز المالي الحكومي الكبير، إلى جانب قوة إنفاق المستهلكين، إلى استنزاف المدخرات الوطنية.

مدعاة للقلق

ليست كل حالات العجز أو الفائض مشكلة بالضرورة، فقد تكون نتيجة طبيعية ومرغوبة حتى لتخصيص الموارد بكفاءة، عندما تتدفق رؤوس الأموال مثلًا من الاقتصادات المتقدمة التي تشهد شيخوخة سكانية إلى الاقتصادات النامية الأصغر والأسرع نموًا. ويظهر القلق عندما تصبح الاختلالات مفرطة، وتكون متجذرة في تشوهات مستمرة تشكل مخاطر كبيرة على الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي.

وكلما طال اعتماد الدول التي تعاني عجزًا على الاقتراض الخارجي، أصبحت أكثر عرضة للتغيرات الحادة في الأوضاع المالية العالمية. وإذا فقد المستثمرون الثقة أو أصبح التمويل أكثر تكلفة، يمكن أن تتراجع تدفقات رؤوس الأموال فجأة. وغالبًا ما تكون النتيجة انخفاض قيمة العملة وضغوطًا مالية وركودًا اقتصاديًا، كما حدث في المكسيك في أوائل تسعينيات القرن الماضي وشرق آسيا في وقت لاحق من العقد نفسه.

ولا تواجه الدول التي تحقق فوائض مخاطر التصحيح نفسها، لكن سياساتها قد تترتب عليها تداعيات تتراكم تدريجيًا على الدول الأخرى. فعندما تعكس الفوائض ضعف الطلب المحلي أو تخلف الأنظمة المالية أو سياسات تشجع على الادخار، فقد يشير ذلك إلى أن الدولة تستخدم مواردها بصورة غير كفؤة. كما أن توجيه المدخرات الزائدة من الدول ذات الفوائض إلى الخارج يفرض ضغوطًا نزولية على أسعار الفائدة والأسعار عالميًا.

وعندما تنجم الفوائض عن سياسات تستهدف تعزيز القدرة التنافسية للصادرات، يمكن لآثار انخفاض التضخم الناتجة عن انخفاض أسعار الصادرات أن تساعد الشركاء التجاريين الذين يواجهون تضخمًا مرتفعًا، لكنها في المقابل تضغط على الشركاء الذين يعانون بالفعل ضعف الطلب أو على الصناعات التي تنافس بصورة مباشرة صناعات الدولة صاحبة الفائض، ما يضعف نموهم الاقتصادي.

وقد تعاقب الأسواق المالية الدول التي تسجل عجزًا مستمرًا وتدفعها إلى تصحيح اختلالاتها، من خلال خفض قيمة عملاتها ورفع تكاليف الاقتراض. لكن الدول ذات الفوائض المستمرة لا تواجه قوى سوقية مماثلة تدفعها إلى التصحيح.

وعلى المستوى العالمي، يمكن أن تؤدي الاختلالات إلى تضخيم الدورات المالية. فتدفقات رؤوس الأموال الكبيرة تغذي طفرات الائتمان وتدفع أسعار الأصول إلى الارتفاع في الدول التي تعاني عجزًا. وفي المقابل، تراكم الدول صاحبة الفوائض مراكز كبيرة من الأصول الأجنبية الحساسة لتحركات أسعار الصرف والفائدة. ويمكن لهذه الديناميكيات أن تجعل النظام أكثر هشاشة.

تحرك من الجانبين

إذا تُركت الاختلالات العالمية دون معالجة، فقد تؤدي أيضًا إلى زيادة التوترات الجيوسياسية. ويمكن لإغلاق المصانع وفقدان الوظائف وغيرها من الاضطرابات في المجتمعات أو الصناعات التي تتعرض لواردات متزايدة أن تعزز الاعتقاد بأن المنافسة غير عادلة، ما يقوي الدعم لفرض الرسوم الجمركية وغيرها من الإجراءات الحمائية.

فكيف ينبغي للعالم إدارة الاختلالات المستمرة؟ قد تميل الدول إلى اللجوء إلى الحماية التجارية بشكل منفرد كطريق مختصر لإعادة التوازن. لكن الرسوم الجمركية المرتفعة وغيرها من الحواجز التجارية يكون لها عمومًا تأثيرات ضعيفة وغير موثوقة على الأرصدة الخارجية، لأنها لا تفعل الكثير لتغيير العوامل الأساسية المحركة للادخار والاستثمار. وقد تؤدي الإجراءات الحمائية بدلًا من ذلك إلى ردود فعل انتقامية متبادلة تزيد من اضطراب الاقتصاد العالمي.

وتتطلب النتيجة الأكثر توازنًا تحركًا من الجانبين. فعملية التصحيح ليست قصة دولة واحدة، إذ إن عجز دولة ما هو فائض دولة أخرى، كما أن التغيرات في أنماط الادخار والاستثمار في اقتصاد ما تؤثر على النتائج في أماكن أخرى.

وتحتاج الدول التي تعاني عجزًا إلى تعزيز الادخار وضمان توجيه الاقتراض إلى الاستثمارات الإنتاجية. وفي المقابل، تحتاج الدول صاحبة الفوائض إلى زيادة الطلب المحلي أو خفض المدخرات الزائدة. وعندما تحدث هذه التعديلات معًا، يمكن للاختلالات أن تتقلص بصورة تدعم النمو العالمي.

ومن شأن نهج متوازن كهذا أن يسهّل إجراءً منظمًا للتصحيح؛ إذ يتحول الادخار والاستثمار تدريجيًا بدعم من تغييرات السياسات واستقرار الأوضاع المالية، وتتكيف أسعار الصرف، ويتوازن الطلب المحلي، وتتقلص الفجوات الخارجية دون اضطرابات كبيرة. بل إن الإصلاحات التي تقودها السياسات لمعالجة التشوهات المحلية يمكن أن تحقق فائدة مزدوجة، عبر تعزيز النمو محليًا والحد من الاختلالات خارجيًا.

أما البديل فهو تصحيح فوضوي تدفعه تحولات مفاجئة في معنويات الأسواق أو الأوضاع المالية. وقد يؤدي انعكاس تدفقات رؤوس الأموال إلى تصحيح سريع للعجوزات، وانكماش حاد في الناتج، وربما أزمة مالية خطيرة تترتب عليها خسارة كبيرة في الناتج العالمي.

قرارات يومية

الاختلالات العالمية ليست نتيجة قوى غامضة، وإنما هي نتاج قرارات اقتصادية يومية؛ مقدار ما ندخره، ومقدار ما نستثمره، وكيف نخطط للمستقبل. وهي تعكس حقيقة أن الدول، مثل الأسر، لا تنفق دائمًا بالضبط ما تكسبه.

وفي أفضل حالاتها، تتيح الاختلالات للدول تقاسم المخاطر، وتنعيم الاستهلاك، وتخصيص رؤوس الأموال بكفاءة عبر الحدود. وفي أسوأ حالاتها، تعكس تشوهات محلية، وتخلق مواطن ضعف، وتنذر بتصحيح مكلف. وفي النهاية، سيتعين على الأسرة المدخرة وجارها المقترض إعادة التفاوض بشأن ترتيبهما. والسؤال هو ما إذا كان بإمكانهما القيام بذلك دون التسبب في أزمة لم يكن أي منهما يريدها.

وهذا هو التحدي المستمر في قلب الاقتصاد العالمي، والسبب في أن “المشكلة الدولية المزمنة” التي تحدث عنها كينز لا تزال قائمة حتى اليوم.

(المقال منشور في مجلة صندوق النقد الدولي F&D)