بعد سنوات من تراجع إنتاج البترول والغاز بفعل تباطؤ الاستثمارات وتراكم مستحقات الشركاء الأجانب، تتحرك وزارة البترول والثروة المعدنية حاليًا على أكثر من محور لإعادة الإنتاج إلى مسار النمو، عبر تحفيز الاستثمار في البحث والاستكشاف، التعجيل بتنمية الاكتشافات، زيادة الاستفادة من البنية التحتية القائمة، ورفع كفاءة معامل التكرير.

وتستند خطة الوزارة، بحسب ما عرضه المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، خلال لقاء مع رؤساء تحرير الصحف ووسائل الإعلام، إلى معالجة الأسباب التي أدت إلى تراجع الإنتاج، وفي مقدمتها تراكم المديونية للشركاء، بالتوازي مع طرح فرص استثمارية جديدة وتحسين اقتصاديات الاتفاقيات البترولية.

تصفير مستحقات الشركاء يعيد الثقة

أحد أبرز التحولات في قطاع البترول تمثل في تصفير مستحقات الشركاء الأجانب بالكامل في يونيو 2026، مقابل نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024.

وترى الوزارة أن سداد هذه المستحقات ساهم في استعادة الثقة وتحفيز الشركات على توسيع برامج البحث والاستكشاف والإنتاج، بالتوازي مع إقرار حوافز وتحسين اقتصاديات المناطق البترولية.

ووفق الوزير، ارتفع نشاط البحث والاستكشاف والإنتاج بنحو 20% خلال 2026، مع تبني الشركاء خططًا لحفر آبار جديدة وزيادة الإنفاق على أعمال البحث والإنتاج.

وتشير المؤشرات إلى بدء تحول منحنى إنتاج الخام إلى الصعود تدريجيًا، مع استهداف زيادة إنتاج الغاز خلال العام المالي 2026/2027 مقارنة بالعام المالي السابق.

دينيس” و”نرجس”.. تعجيل الاكتشافات بالإنتاج

تراهن الوزارة على عدد من الاكتشافات والمشروعات الجديدة لتعويض التناقص الطبيعي في إنتاج الحقول القائمة.

ويأتي في مقدمة هذه المشروعات كشف “دينيس” في البحر المتوسط، الذي تقدر احتياطياته بنحو تريليوني قدم مكعب من الغاز، مع الاتفاق على التعجيل ببدء الإنتاج في أواخر عام 2027.

كما استؤنف العمل في حقل “نرجس”، أحد الاكتشافات غير المنماة منذ عام 2022، من خلال حفر بئر جديدة لتأكيد المخزون واختبار طبقات أعمق قد تضيف موارد جديدة من الغاز.

وفي غرب البحر المتوسط، أظهرت بئر “فيلوكس-1X” وجود تكوين بترولي، بما يعزز فرص التوسع في أعمال البحث والاستكشاف بالمنطقة.

أما في الصحراء الغربية، فتستعد مجموعة من آبار الغاز في حقول مليحة لدخول الإنتاج بالتزامن مع تشغيل التسهيلات الجديدة المقرر في أواخر سبتمبر، بما يسمح بوضع هذه الآبار على خريطة الإنتاج.

كما دخلت بئر “فيوم-4” التابعة لشركة بي بي على الإنتاج بمعدل يصل إلى 80 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا.

وترى الوزارة أن أهمية هذه الاكتشافات لا تقاس منفردة، وإنما بتأثيرها التراكمي في تعويض التناقص الطبيعي للحقول وتقليل الاحتياجات الاستيرادية.

3 مسوح سيزمية ومزايدة جديدة

وتتجه الوزارة إلى زيادة فرص الاستثمار في الاستكشاف من خلال تحديث قاعدة البيانات الجيولوجية عبر 3 مسوح سيزمية تغطي أكثر من 300 ألف كيلومتر مربع، بهدف توفير بيانات حديثة أمام شركات البحث والإنتاج.

كما طرحت الوزارة مؤخرًا 14 منطقة للبحث والاستكشاف في مزايدة عالمية، بالتوازي مع العمل على تحسين اقتصاديات الاتفاقيات والجوانب التعاقدية.

وتشمل الخطة أيضًا التوسع في استخدام الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، بالتعاون مع شركات التكنولوجيا والشركاء، كأدوات تستهدف زيادة معدلات الإنتاج من الحقول القائمة والمناطق الجديدة.

الغاز القبرصي يدخل على خط الخطة

لا تقتصر استراتيجية تأمين الغاز على زيادة الإنتاج المحلي، إذ تعمل الوزارة أيضًا على تنويع مصادر الإمداد وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية المصرية.

وفي هذا الإطار، يجري العمل على ربط 4 حقول قبرصية بالبنية التحتية المصرية، من خلال ربط أقربها، حقل “كرونوس”، بتسهيلات حقل ظهر ومصنع إسالة وتصدير الغاز في دمياط.

وتستهدف هذه الخطوة الاستفادة من البنية التحتية القائمة وتعزيز دور مصر كمركز إقليمي لتجارة وتداول الغاز.

وبالتوازي، تعتمد الوزارة على منظومة مرنة تشمل سفن التغييز وتنويع مصادر الإمداد للتعامل مع الطوارئ والتقلبات الجيوسياسية، بما يؤمن احتياجات الكهرباء والصناعة والمواطنين.

التكرير.. رفع التشغيل من 66% إلى أكثر من 80%

وفي قطاع التكرير، تستهدف الوزارة رفع معدلات تشغيل معامل التكرير من 66% إلى أكثر من 80%، مستفيدة من توفير الخام ورفع كفاءة الوحدات.

وأكد الوزير أن زيادة معدلات التشغيل ساهمت بالفعل في رفع إنتاج البنزين والسولار وخفض الفاتورة الاستيرادية.

وتعتزم الوزارة ضخ 4.5 مليار دولار في تطوير معامل التكرير وإقامة مشروعات جديدة، في إطار خطة تستهدف تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

البتروكيماويات والتصدير

وفي البتروكيماويات، ارتفع الإنتاج من 4.2 مليون طن في 2024/2025 إلى 4.6 مليون طن في 2025/2026.

كما زادت الصادرات من 2.5 مليون طن بقيمة 1.6 مليار دولار إلى 2.7 مليون طن بقيمة 1.8 مليار دولار.

وخلال النصف الأول من 2026، بلغت صادرات قطاعي البترول والتعدين نحو 5.29 مليار دولار، بزيادة تقارب 73% عن الفترة المقابلة من 2025.

وتتضمن المشروعات الجديدة منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، من بينها الوقود الحيوي للطائرات ومشتقات السيليكون وبيكربونات الصوديوم والإيثانول الحيوي.

الفجيرة والعلمين.. توسيع تجارة وتخزين الخام

وتسعى مصر في الوقت نفسه إلى تعزيز موقعها في تجارة وتداول المنتجات البترولية، عبر مشروع “الفجيرة العلمين” والاستفادة من ميناء الحمراء في العلمين الجديدة.

ويستهدف المشروع دعم أنشطة تخزين وتداول النفط والمنتجات البترولية، والاستفادة من موقع الميناء وتسهيلاته التخزينية، بما يعزز دور مصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة.

التعدين.. من الخام إلى القيمة المضافة

ولا تتوقف خطة الوزارة عند البترول والغاز، إذ تستهدف إعادة هيكلة قطاع التعدين لزيادة جاذبيته الاستثمارية.

وفي هذا الإطار، جرى تحويل هيئة الثروة المعدنية إلى هيئة اقتصادية تحت مسمى هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية، مع طرح فرص للبحث عن الذهب والفوسفات والمعادن بنظام القطاعات المفتوحة.

وتتجه الوزارة إلى الحد من تصدير الفوسفات الخام قبل إدخاله في صناعات تحقق قيمة مضافة أعلى، في ظل امتلاك مصر احتياطيات كبيرة منه.

كما تستعد الوزارة لتنظيم منتدى مصر للتعدين في 28 سبتمبر المقبل بمشاركة مستثمرين وشركات متخصصة.

الخطة في اتجاهين

الصورة التي ترسمها وزارة البترول لا تقوم على محور واحد لزيادة الإنتاج، وإنما على مسارين متوازيين.

الأول: استعادة الاستثمار في البحث والاستكشاف وتنمية الحقول، من خلال تصفية المديونية وتحسين الحوافز وتسريع ربط الاكتشافات الجديدة.

الثاني: تعظيم الاستفادة من كل حلقة في سلسلة القيمة، من خلال التكرير والبتروكيماويات والتخزين والتداول والتعدين، إلى جانب استغلال البنية التحتية المصرية في استقبال ونقل وتجارة الطاقة.

وبذلك تراهن الوزارة على أن استعادة الإنتاج لن تأتي من اكتشافات منفردة فقط، بل من تراكم آبار جديدة، وتسريع وضعها على الإنتاج، ورفع كفاءة البنية القائمة، وتقليل الفجوة بين احتياجات السوق والإنتاج المحلي.