لا شك في أن الولايات المتحدة تعاني أزمة ديون. لكنها بالطبع ليست حالة طوارئ حادة كتلك التي شهدتها الأرجنتين مع حالات التخلف المتعددة عن السداد خلال هذا القرن، أو أزمة اليونان في العقد الثاني من القرن الحالي، وإنما تحمل خصائص كارثة مزمنة يمكن للجميع رؤية ما هو قادم فيها، بينما لا تفعل الإدارة ما يكفي لتجنبها.

وارتفع المقياس الأكثر أهمية للدين الفيدرالي الأمريكي، وهو الدين الذي يحمله الجمهور، من 3.4 تريليون دولار عام 2000 إلى 32.3 تريليون دولار حاليًا، أي من 33.7% إلى أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي خلال ما يزيد قليلًا على 25 عامًا.

والأهم من ذلك أن عبء خدمة هذا الدين تضاعف، من 11% من الإيرادات الضريبية في عام 2000 إلى 21.5% خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية الحالية.

ومع ارتفاع تكاليف الاقتراض طويل الأجل، تعمل وزارة الخزانة الأمريكية بصورة متزايدة على تمويل الدين من خلال الاقتراض قصير الأجل، فيما يضغط الرئيس مجددًا على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة لتحسين هذه الأرقام. ويشكّل ذلك مسارًا انحداريًا لأزمة ديون تتفاقم ببطء.

ومع اتجاه الولايات المتحدة إلى مواصلة تسجيل عجز يقترب من 6% سنويًا حتى في ظل بلوغ الاقتصاد مستوى التشغيل الكامل، فمن المتوقع أن ترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي كل عام، ما يزيد الضغط على الإيرادات الضريبية لخدمة الدين، وكذلك الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة.

والأرجح أن هذه العملية لن تنتهي بالتخلف عن السداد أو بتضخم جامح، وإنما ستنتج مشكلة تزداد سوءًا على نحو مستمر ليواجهها شخص ما في المستقبل.

وكما جادلتُ مؤخرًا، فإن ارتفاع العجز وتكاليف خدمة الدين لم يعد يمتلك القوة الكافية لإعادة الانضباط المالي.

لماذا تدهور الوضع المالي الأمريكي؟

قبل البحث عن الحلول، من المهم التساؤل عن أسباب التدهور الكبير في الوضع المالي الأمريكي منذ بداية القرن الحالي.

ففي عام 2000، عندما حققت الحكومة الفيدرالية فائضًا بلغ 2.3% من الدخل القومي، ارتفع الإنفاق العام الأولي، أي باستثناء صافي فوائد الدين، من 15.5% إلى 19.9% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويمكن تفسير هذه الزيادة بالكامل تقريبًا بالإنفاق على الخدمات المرتبطة بالسكان المتقدمين في السن، بما في ذلك الضمان الاجتماعي و”Medicare” وبرامج المحاربين القدامى.

وعلى جانب الضرائب، تراجعت الإيرادات من 20% إلى 17.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة نفسها، ويرجع ذلك جزئيًا إلى بلوغ الإيرادات ذروة دورية في نهاية الألفية الماضية، وجزئيًا إلى التخفيضات الضريبية.

وبدأت هذه التخفيضات بتخفيضات الضرائب في عهد جورج بوش، التي جرى جعلها دائمة إلى حد كبير على أساس دعم من الحزبين خلال إدارة باراك أوباما، ثم جاءت تخفيضات الضرائب التي أقرها دونالد ترامب عام 2017.

ويقدر مركز التقدم الأمريكي (Center for American Progress) أنه لو ظل النظام الضريبي الذي كان قائمًا في تسعينيات القرن الماضي ساريًا، لكان الدين العام الأمريكي مستقرًا حاليًا، مع احتمال تراجعه خلال العقود المقبلة.

مزيج من الخطاب الحاد والذعر

وفي مواجهة القوى طويلة الأجل المتمثلة في ارتفاع الإنفاق المرتبط بتقدم السكان في السن والتخفيضات الضريبية غير القابلة للتحمل، جاء رد الإدارة الأمريكية في الآونة الأخيرة غير الكافي في صورة مزيج من التصريحات الحادة والذعر.

ففي الأسبوع الماضي، تعهد وزير الخزانة سكوت بيسنت مجددًا بالتركيز على خفض العجز، لكن تصريحاته فقدت في هذه المرحلة أي قدر من المصداقية.

وحاولت وزارة الكفاءة الحكومية التي جرى حلها لاحقًا تنفيذ تخفيضات كبيرة في الإنفاق، لكنها فشلت، بينما أنفقت “One Big Beautiful Bill Act” التي أقرها ترامب الأموال التي جرى جمعها من الرسوم الجمركية، ولا توجد خطط لزيادات ضريبية أخرى.

وفي الحالات التي اتخذ فيها بيسنت خطوات لخفض تكاليف اقتراض الحكومة الأمريكية، مثل اقتراح استبدال جزء ضئيل من الدين الأمريكي طويل الأجل بدين قصير الأجل، كانت هذه الخطوات محدودة، بما يعطي انطباعًا بأن الخيارات المتاحة أمامه قليلة.

وبعد أن تعهد بتحقيق نمو سنوي بنسبة 3% وعجز عند 3%، يبلغ أداء بيسنت حاليًا نحو 2% للنمو ونحو 6% للعجز على التوالي.

هل النمو الأسرع يمكن أن ينقذ المالية الأمريكية؟

يمكن للنمو الأسرع أن يساعد في زيادة الإيرادات الضريبية، لكنه قد يؤدي أيضًا على الأرجح إلى ارتفاع أسعار الفائدة.

ولذلك لا تمتلك الولايات المتحدة وسيلة مضمونة للخروج من أزمة ديونها المتصاعدة ببطء من دون إجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق أو زيادة الضرائب.

ولا تحتاج البلاد إلى القضاء على العجز بالكامل، لكنها تحتاج إلى إعادة الدين إلى مسار هبوطي، وهو ما يتطلب على الأرجح تحقيق توازن في العجز الأولي، أي المؤشر الذي يستبعد تكاليف صافي الفوائد.

ولم تحقق الولايات المتحدة هذا التوازن منذ 2007، ولم تحققه بصورة مستدامة منذ تسعينيات القرن الماضي.

الضرائب أم خفض الإنفاق؟

ونظرًا لصعوبة، وعدم الرغبة في، خفض الإنفاق على معاشات التقاعد والرعاية الصحية لكبار السن، ينبغي لهذه الإدارة والإدارات الأمريكية المقبلة بحث زيادة الإيرادات بأقل الطرق إضرارًا بالاقتصاد.

وقد خفضت الولايات المتحدة بشكل كبير معدلات الضرائب على الأكثر ثراءً خلال هذا القرن، ولذلك فإن التراجع جزئيًا عن هذه التخفيضات سيكون أمرًا مرجحًا ومبررًا من وجهة نظر رئيس وكونغرس ذوي توجهات يسارية.

لكن دراسة مهمة للخيارات والمفاضلات الضريبية، أعدتها Tax Foundation، تبرز التكاليف المحتملة الكبيرة على النمو والكفاءة الاقتصادية الناجمة عن إجراءات محددة وضيقة النطاق مثل ضرائب الثروة والرسوم الجمركية.

ويشير تحليل المؤسسة، بصورة معقولة، إلى أن الزيادات الواسعة في ضرائب الدخل أو الإنفاق هي الأفضل لجمع إيرادات كبيرة لتمويل برامج حكومية واسعة النطاق.

دول أخرى.. وصفات مختلفة

وتحتاج الدول الأخرى التي تواجه صعوبات مماثلة إلى حلول مختلفة.

ففرنسا، التي تتمتع بالفعل بمستويات ضريبية مرتفعة وسكان أصحاء يتقاعدون في سن مبكرة، تحتاج أولًا إلى تشجيع التقاعد في سن متأخرة من خلال خفض المزايا.

أما المملكة المتحدة، التي رفعت بالفعل الضرائب بصورة حادة على أصحاب الدخول المرتفعة، فتحتاج إلى ضمان تطبيق إجراءات زيادة الإيرادات على نطاق واسع.

الأسواق تبحث عن القيادة.. ولا تجدها

في الوقت نفسه، تتطلع الأسواق المالية إلى الولايات المتحدة من أجل القيادة، لكنها لا تجدها.

ويتمثل الميل الغريزي لهذه الإدارة في محاولة التحدث للخروج من أزمة الديون بدلًا من معالجة أسبابها.

وبينما تنكر وجود المشكلة وتتعامل مع جوانبها الهامشية، ستواصل أزمة الديون المتفاقمة ببطء بناء ضغوطها.

المقال الأصلي منشور في صحيفة “Financial Times