«كيميت FOCAL» | لماذا نحب الدولار لكن الدولار لا يحبنا؟


بالنسبة لنائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، فإن هيمنة الدولار تسهم في زيادة العجز التجاري، وتحد من إنتاج الصناعات التحويلية وفرص العمل بالبلاد.
وهذه الرؤية التي أعاد طرحها مجددًا قبل أيام، هي رؤية قديمة للرجل الثاني في واشنطن، إذ أعرب مرارًا عن قلقه من أن الطلب الأجنبي على الدولار يشوه الاقتصاد الأمريكي.
فهو يخفض تكاليف الاقتراض ويشجع على تراكم مستويات غير صحية من الديون، كما يؤدي إلى قوة العملة مقارنة بالعملات الأخرى، ما يجعل الواردات إلى الولايات المتحدة أرخص بالنسبة للمستهلكين الأمريكيين، ويجعل الصادرات الأمريكية أكثر تكلفة بالنسبة للمستهلكين الأجانب.
وكل ذلك في الأخير، ينعكس سلبًا على آلة التصنيع الأمريكية والوظائف.
ومع ذلك، فإن فانس وكذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يرفضون الهيمنة المطلقة للدولار الأميركي، أو كما يلقبه الاقتصاديون “الدولار الملك”، لكن يرفضون قوة الدولار التي يرون فيها عثرة للاقتصاد في منافسة آلة التصنيع الصينية.
لهذا فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وهو يحاول جاهدًا إضعاف قيمة الأخضر أمام باقي العملات الرئيسية. وقد نجح جزئيًا في ذلك، لكن على ما يبدو أن ذلك لن يرضي طموحاته.
وبحسب بيانات “ماركيت وواتش”، فإن مؤشر الدولار، حينما تسلم ترامب ولايته الثانية، كان يسجل 104.31 نقطة أمام سلة العملات الرئيسية، بينما يسجل اليوم نحو 99.37 نقطة، وهو أدنى مستوى منذ مارس 2022.
وهذا الأسبوع، دعا ترامب مجددًا، مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) إلى خفض أسعار الفائدة بهدف تقليل قيمة الدولار، الذي يرى أيضًا صندوق النقد الدولي أنه مُبالغ في قيمته بنسبة تتراوح بين 6 و12%.
لماذا هذا مهم الآن؟
يُعد هذا الزخم المتجدد بالنسبة للدولار بمثابة نذير حرب عملات قادمة بقوة، وهي ما تنقص عالمنا البائس اليوم. فدول العملات الرئيسية الأخرى، الين، اليوان، اليورو، والجنيه الإسترليني، قد ترفض بكل الأشكال ارتفاع قيمة عملاتها بشكل مبالغ فيه أمام الدولار حتى لا تخسر أسواق التصدير.
وهذا ما حذر منه، البنك المركزي الأوروبي، قبل أشهر، إذ قال إن ارتفاع قيمة اليورو قد يدفع التضخم إلى الانخفاض بشكل كبير، لكنه قد يمثل تهديد فوري لاقتصاد منطقة اليورو، الذي يعاني أيضًا.
أما صندوق النقد الدولي، فقد نشر مرارًا وتكرارًا عن مساوئ حروب العملات، قائلًا إن الاقتصاد العالمي شديد الترابط، ولذلك تؤدي السياسات الاقتصادية التي تتخذها دولة ما بصورة منتظمة إلى آثار غير مباشرة على بقية الدول.
لكن كيف تدار حروب العملات؟
وفق صندوق النقد الدولي، فإن الدولة الكبيرة تستطيع التأثير في الأسعار العالمية من خلال حجم تجارتها وتدفقات رأس المال الخاصة بها.
وبالتالي فإنها تستطيع استخدام سياستها الخارجية أو التجارية أو المالية لكي تغير حجم الواردات والصادرات والتدفقات الرأسمالية، ومن ثم تغير الأسعار العالمية لمصلحتها.
وبهذا يصبح التدخل بمثابة سياسة “إفقار للجار”، فالدولة تحصل على مكاسب إضافية لأنها تنقل جزءًا من الخسارة إلى بقية الاقتصاد العالمي.
وكلما كان حجم الدولة أكبر، وكلما كانت الأسعار العالمية أكثر استجابة لتغير صادراتها أو وارداتها، وكلما كانت تدفقاتها التجارية أو الرأسمالية أكبر، زادت قدرتها على ممارسة هذا النوع من القوة الاحتكارية.
وهنا تأتي العملات كأداة أخرى في هذه المعركة. فإذا لم تحقق الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية الهدف المطلوب، فإن إضعاف العملة يمكن أن يصبح وسيلة لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات، وهو ما يحاول ترامب أن يفعله من خلال اللجوء إلى الورقة الأقوى “الدولار”.
هذا الأسبوع، قال ترامب إن بلاده يجب أن يكون لديها أقل سعر فائدة في العالم، حتى لا يضطر إلى فرض رسوم جمركية جديدة على الشركاء التجاريين.
بمعنى أن ترامب يؤشر بخفض أسعار الفائدة لإضعاف الدولار أمام باقي العملات الرئيسية، إضافة إلى استخدام قوة بلاده الاقتصادية للتأثير في الأسعار العالمية وشروط التمويل والتجارة لمصلحة دولته على حساب بقية الدول.
لكن بالتبعية قد تلجأ البنوك المركزية الأخرى إلى سياسات مماثلة، وهو ما يجعل العالم يدخل في دوامة “حرب العملات”. وهذا يجعل صادرات أكثر تنافسية ويقلل الطلب على واردات دول أخرى مع ارتفاع أسعارها. والضحية قد تكون بقيمة دول العالم التي تجاهد لتأخذ حصة في الصناعة العالمية.
لماذا لا نستطيع التخلص من الدولار؟
يُشكل الدولار حاليًا حوالي 57.1% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، وهو أقل من نسبة 70% التي كانت في أوائل عام 2000، إلا أنه يظل متقدمًا بفارق كبير عن اليورو بنسبة 20%، والين بنسبة 5.44%، واليوان بنسبة 1.99%، والجنيه الإسترليني 4.4%.
إضافة إلى ذلك، يُستخدم الدولار في أكثر من 50% من فواتير الصادرات العالمية، رغم أن حصة الصادرات الأميركية تشكل 10% فقط من التجارة العالمية.
الدولار يسيطر على الاحتياطيات الدولية
(%)| البيان | القيمة |
|---|---|
| الدولار | 57.13 |
| اليورو | 20.03 |
| الين الياباني | 5.44 |
| الجنيه الإسترليني | 4.40 |
| اليوان الصيني | 1.99 |
| الدولار الأسترالي | 2.11 |
| الدولار الكندي | 2.48 |
| الفرنك السويسري | 0.24 |
| باقي العملات | 6.18 |

لكن ما وراء هيمنة الدولار ليس الاقتصاد وحده؛ فالولايات المتحدة تستفيد مما يمكن وصفه بـ “الاستثنائية الأمريكية”، بحسب ما يقول معهد التمويل الدولي، وهي مزيج من حجم الاقتصاد، والاستقرار المؤسسي، والهيمنة العسكرية، والنفوذ المالي العالمي الذي يعزز موقعها الفريد في النظام العالمي.
وعلى عكس الاقتصادات الأخرى التي تحدت هيمنة الدولار في بعض الأوقات، حافظت الولايات المتحدة باستمرار على دور قيادي في الشؤون العالمية، مما جعل عملتها ليست الأكثر سيولة فحسب بل والأكثر ثقة على نطاق واسع.
فخلال فترات تقلبات الأسواق، أو الأزمات الجيوسياسية، أو الانكماش الاقتصادي العالمي، عادةً ما تدفق رؤوس الأموال نحو الأصول الدولارية، مما يقوي العملة ويدعم أسعار الأصول الأمريكية.
وعلى الرغم من هذه المزايا، تشير التطورات الأخيرة إلى وجود جهود منسقة من قبل دول مختلفة لتقليل اعتمادها على الدولار، مما يتحدى هيمنته في التجارة والمالية العالميتين.
ومن المبادرات البارزة في هذا الشأن تحالف “بريكس”، الذي يسعى إلى جعل التبادلات التجارية بين البلدان الأعضاء بالعملات المحلية، كما يسعى إلى إصدار عملة مشتركة. إلا أنه حتى الآن كان كل هذا مجرد مناقشات ولم نر بديلًا فعليًا للدولار.
والحقيقة الغائبة عن البعض، أن نقاط القوة الأساسية التي دعمت موقع الدولار كعملة احتياطية رئيسية في العالم لعقود، لا تزال قائمة: حجم الاقتصاد الأميركي، وعمق أسواقه المالية، والسيولة، والاستقرار المؤسسي، والقوة الجيوسياسية.
لكن النظام النقدي العالمي ليس ثابتًا. فتراجع حصة الدولار من الاحتياطيات الدولية خلال الربع قرن الماضي يشير إلى أن الدول بدأت بالفعل في تنويع خياراتها، حتى وإن لم يظهر حتى الآن بديل قادر على الحلول محل الدولار.
وقد تحمل التحولات الجيوسياسية وثورة الذكاء الاصطناعي تغيرات أكبر في شكل الاقتصاد العالمي، وربما تخلق يومًا منافسًا حقيقيًا للعملة الأميركية.
لكن حتى ذلك الحين، ستظل المفارقة قائمة: العالم يريد أن يقلل اعتماده على الدولار، لكنه لا يستطيع الاستغناء عنه؛ نحب الدولار لأننا نحتاجه، لكنه لا يحبنا.
هل هناك شيء آخر؟
نعم! «كيميت FOCAL» هي نشرة أسبوعية تصدر صباح يوم الأحد، تضع موضوعًا واحدًا في بؤرة التركيز، وتقدّم حوله تحليلًا مبسطًا ومعلومات وبيانات تساعد القارئ على فهم الصورة كاملة.

النشرة البريدية الأسبوعية
شكرا لك
تم الاشتراك في النشرة البريدية الإسبوعية
أخيرًا، ندعوكم هذا الأسبوع لمشاهدة «The Marvellous History of the US Dollar»، وهو وثائقي يستعرض تاريخ الدولار الأمريكي، وكيف تحولت العملة من مجرد أداة نقدية إلى العملة المهيمنة على الاقتصاد والنظام المالي العالمي، مرورًا بمحطات صعودها ودورها في التجارة والاحتياطيات وأسواق المال، وصولًا إلى التساؤلات حول مستقبل هيمنتها.
