لماذا الصين؟


في زيارة هي الأولى من نوعها منذ 10 أعوام، يصل الرئيس الصيني، شي جين بينج، إلى مصر هذا الأسبوع، حاملًا معه، وفق وسائل إعلام صينية ومصادر متعددة، الكثير من الاتفاقيات التي ستوقع بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسي، بما يعزز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
وتنظر مصر إلى هذه الزيارة بأهمية شديدة في ظل الوضع الإقليمي المُعقد على المستويين السياسي والاقتصادي، لكن أيضًا الصين تعتبر هذه الزيارة مهمة للغاية، إذ ترى فيها فرصة أكبر لتطوير العلاقات الثنائية مع أكبر دولة عربية.
وسائل الإعلام الصينية في تغطيتها للزيارة، تناولت جوانب العلاقة بين البلدين وكذلك الحضارة الممتدة من سور الصين العظيم إلى أهرامات الجيزة، لكن أغلبها كان يشير في السياق إلى أن مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
واعتادت وسائل الإعلام الصينية في كل المناسبات التي تجمع الزعيمين، التأكيد على مثل هذه النقطة التي تمثل بالنسبة لجمهورية الصين الشعبية، اعتزاز وامتنان للاعتراف الذي تلقته من القاهرة قبل حوالي 70 عامًا حينما كانت تقف بكين وقلة من البلدان في وجه القوة الغربية المنتشية بالانتصار في الحرب العالمية الثانية.
وكالة أنباء الصين الجديدة أشارت في تقرير لها هذا الأسبوع إلى صورة تاريخية تجمع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ورئيس الوزراء الأسبق تشو إن لاي عام 1955 في مؤتمر باندونغ، قائلة: “ومنذ ذلك الحين سارت الصين ومصر جنباً إلى جنب في التعاون، لتنطلقا في مسيرة العمل المشترك لحماية حقوق ومصالح الدول النامية”.

هنالك الكثير من الكلام والخلفيات التاريخية يمكن أن تُقال حول أهمية هذه الزيارة، لكن الأرقام والبيانات أفضل دليل على العلاقة الاقتصادية المتنامية بين القاهرة وبكين خلال العقود الماضية.
صعود التنين
خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، كانت بكين تصعد بهدوء كقوة اقتصادية جديدة في العالم، فمن ناتج محلي إجمالي يبلغ نحو 1.22 تريليون دولار، إلى ناتج محلي إجمالي يتجاوز 6 تريليونات دولار في 2010.
تطور الناتج المحلي الصيني
(2000 - 2025) بالتريليون دولار
حينها كان تركيز الصين ينصب بدرجة كبيرة على الداخل، خاصة فيما يتعلق بتعزيز ما عُرف بصناعة كل شيء. وهذا جعل العلاقة الاقتصادية بينها وبين مصر تتمحور حول التبادل التجاري مع القليل من الاستثمارات.
لكن جاءت “تيدا”
في عام 2008، كانت الصين من أوائل الدول التي رأت في المنطقة الاقتصادية الخاصة بشمال غرب خليج السويس (الاسم القديم للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس)، التي لم يمر على تأسيسها في ذلك الوقت سوى 6 سنوات، فرصة لتعزيز التعاون مع مصر، إذ حصلت على أرض لا تتجاوز مساحتها 1.34 كيلومتر مربع فقط.
وفي السنوات اللاحقة صنع الصينيون الإنجاز على أرض السويس كما فعلوا في شانغهاي وقوانغتشو، لتتحول الصحراء الجرداء إلى منطقة اقتصادية هي من بين الأهم في مصر.
الأمر لم يتوقف هنا، ففي عام 2016، وأثناء زيارة جين بينغ إلى مصر، قام هو والرئيس السيسي بإزاحة الستار عن المرحلة الثانية من منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري، وهي مرحلة توسعية بشكل أكبر لمساحة “تيدا” لتستوعب الكثير من المشروعات المستقبلية.
وحتى نهاية يونيو 2026، استقطبت “تيدا” أكثر من 200 شركة صينية، باستثمارات متراكمة تتجاوز 4.7 مليار دولار، وإجمالي مبيعات منذ تأسيسها يصل إلى 7.3 مليار دولار. كما وفرت بشكل مباشر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل.
منطقة “تيدا” الصناعية (TEDA)

الصين لم تتخل عنك!
لم تكن “تيدا” الاستثمار الصيني الأبرز في مصر، بل هناك العديد من الاستثمارات الصينية في مناطق مختلفة، إذ تشير بيانات حكومية إلى أن حجم الاستثمارات الصينية يتجاوز 10 مليارات دولار، مع وجود ما يقارب 3,500 شركة صينية.
لكن المهم أن الصين لم تتخل عن مصر حينما كانت تطمح إلى بناء عاصمة جديدة؛ فبعد انسحاب شركات من مشروع منطقة الأعمال المركزية والبرج الأيقوني، دخلت الشركات الصينية بقوة لتنفيذ المشروع.
شركة “تسايتشين” أو “CSCEC”، وهي تُعد من أكبر شركات البناء في العالم، قررت أن تتولى أعمال الإنشاءات الهندسية والتنفيذ الشامل للمشروع بالتعاون مع جهات مصرية.
لتدشن بعدها مصر عصر الأبراج السحابية، إذ يضم المشروع 20 برجاً متعددة الاستخدامات، إضافة إلى البرج الأيقوني، الذي يتوسط المنطقة ويُعد أطول برج في إفريقيا بارتفاع يصل إلى 385 متراً.
هل هذا كل شيء؟
بالطبع لا. فحينما كانت تلوح في الأفق أزمة عملة أجنبية في مصر قبل 10 أعوام، حضرت بكين باتفاقية تبادل عملات عام 2016 لمدة 3 سنوات، وبقيمة 18 مليار يوان (2.6 – 2.7 مليار دولار) لتوفير خط مبادلة بالعملات المحلية وتعزيز السيولة والتجارة. ثم بعد ذلك تم تمديدها مرتين، آخرها في يونيو 2026، إذ رفعت قيمتها بنسبة 67% لتنتقل من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان، ما يعادل قرابة 4.43 مليار دولار، أو ما يناهز 203 مليارات جنيه.
كما تدخلت الشركات الصينية في العديد من المشروعات القومية الكبرى، من بينها القطار الكهربائي الخفيف “LRT”، الذي شاركت شركات صينية في تنفيذه من بينها AVIC وشركات تابعة لمجموعة China Railway، ويربط القاهرة الكبرى، بمدن العبور، المستقبل، الشروق، بدر، وصولًا إلى مدينة العاشر من رمضان والعاصمة الجديدة.
إضافة إلى ذلك تعاونت الصين مع مصر في مشروع تطوير ميناء بورسعيد الشرقي ورفع قدرة مناولة البضائع، ومشروع القمر الصناعي “مصر سات 2″، الذي مكّن مصر من امتلاك أول مركز متكامل في إفريقيا لتجميع وتكامل واختبار الأقمار الصناعية.
ووسط كل ذلك، حضرت ترسانة الصين الأكبر في العالم لبناء السفن، من خلال ترسانة “نيو هانتونج” التي سلمت مصر هذا الشهر سفينتي “وادي النيل” و”وادي القمر”، ضمن خطط وزارة النقل لتطوير الاسطول التجاري المصري. وهما سفينتان عملاقتان تنتميان إلى طراز KAMSARMAX.
استثمارات صينية جديدة في مصر
| البيان | القيمة |
|---|---|
| مجمع إنتاج حامض الفوسفوريك بأبوطرطور | 700 مليون دولار |
| مجمع "جيا" للمنتجات الصحية بالسخنة | 67 مليون دولار |
| مصنع "صنجرو" لتجميع أنظمة تخزين الطاقة | 50 مليون دولار |
| مجمع صناعي متكامل للألومنيوم* | 2 مليار دولار |
| مراكز بيانات هواوي للذكاء الاصطناعي (وسائل إعلام) | لم يفصح عن القيمة |

ومؤخرًا، برزت استثمارات صينية جديدة في مصر، كان آخرها ما أُعلن عنه في بيانات رسمية، من بينها مجمع لإنتاج حامض الفوسفوريك بأبوطرطور في محافظة الوادي الجديد باستثمارات تقترب من 700 مليون دولار، وتُنفذه شركتا CSCEC وECEC الصينيتان.
ومجمع “جيا” للمنتجات الصحية بالسخنة باستثمارات تبلغ نحو 67 مليون دولار، ومصنع شركة “صنجرو” لتجميع أنظمة تخزين الطاقة، بمنطقة السخنة الصناعية “تيدا” باستثمارات إجمالية تبلغ 50 مليون دولار، وهو أول مصنع لأنظمة تخزين الطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
إلى جانب ذلك، تدرس إحدى المجموعات الصينية الرائدة في صناعة الألومنيوم، ضخ استثمارات جديدة في مصر بقيمة تصل إلى 2 مليار دولار، من خلال إقامة مجمع صناعي متكامل بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. كما تقدمت شركة “هواوي تكنولوجيز”، بعرض لإنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي داخل مصر.
التجارة تنمو
التجارة المتبادلة بين البلدين شهدت نموًا متسارعًا خلال العقدين الماضيين، فمن نحو 10.21 مليار دولار خلال عام 2013 إلى أكثر من 20.79 مليار دولار في 2025، بزيادة نسبتها 104% تقريبًا.
الجيد هنا، أن مصر تُصدر سنويًا إلى الصين بما يقترب من مليار دولار خلال 2025، ارتفاعًا من مستويات تتراوح بين 500 و700 مليون دولار في أعوام سابقة. لكن هذا لا يرقى إلى حجم النمو الهائل في الواردات الصينية إلى السوق المصرية.
حجم التبادل التجاري بين مصر والصين
القيمة بالمليار دولار
ماذا تريد الصين في المقابل؟
تشير وسائل الإعلام الصينية إلى أن منطقة “تيدا” أصبحت مشروعاً نموذجياً لتحقيق التكامل بين مبادرة “الحزام والطريق” وممر قناة السويس في مصر. وهي المبادرة التي ترغب من خلالها الصين ربط آسيا بأوروبا وإفريقيا عبر الممرات البرية والبحرية، لتعزيز التجارة، وتطوير البنية التحتية، وتعميق الروابط الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وهذا يأخذنا إلى الإجابة بوضوح؛ فالصين لا تبحث فقط عن بيع منتجاتها في السوق المصرية، وإنما تسعى لاستخدام مصر كقاعدة إنتاج وتصدير، مستفيدة من موقعها واتفاقياتها التجارية مع أسواق عربية وإفريقية وأوروبية، وهو ما يجعل الاستثمار في المناطق الصناعية أكثر من مجرد استثمار داخل سوق محلية، فالقاهرة تفتح أمام الشركات الصينية سوقًا متنامية في قطاعات تتجه إليها بكين نفسها بقوة.
وبالتالي؛ فبينما تحتاج مصر إلى رأس المال والتكنولوجيا والقدرة الصناعية والتنفيذية الصينية، تحتاج الصين إلى موقع مصر، وقناة السويس، وأسواقها، وصلتها بإفريقيا والشرق الأوسط.
نظرة سريعة
◀كشفت وثيقة اطلعت عليها منصة “كيميت بزنس” عن إغلاق التمويل الخاص بمشروع إنتاج وقود الطيران المستدام “SAF” في مصر، بإجمالي قيمة للمشروع تبلغ 212.4 مليون دولار.
◀صوّتت لجنة التجارة الدولية الأمريكية “USITC“، لصالح اعتبار واردات حديد التسليح من مصر وبلغاريا وفيتنام مُلحقة ضررًا ماديًا بصناعة الحديد الأمريكية، في ختام التحقيقات التي أجرتها اللجنة بشأن الواردات من الدول الثلاث.
هل هناك شيء آخر؟
نعم! «كيميت FOCAL» هي نشرة أسبوعية تصدر صباح يوم الأحد، تضع موضوعًا واحدًا في بؤرة التركيز، وتقدّم حوله تحليلًا مبسطًا ومعلومات وبيانات تساعد القارئ على فهم الصورة كاملة.

النشرة البريدية الأسبوعية
شكرا لك
تم الاشتراك في النشرة البريدية الإسبوعية
أخيرًا، ندعوكم هذا الأسبوع لمشاهدة «How China Got Rich»، وهي سلسلة وثائقية تعرض على Apple TV، تستعرض رحلة التحول الاقتصادي الصيني، وكيف انتقلت الصين خلال عقود من اقتصاد فقير إلى واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم.
