ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها في أكثر من 20 عامًا يوم الخميس، مواصلة موجة بيع تسارعت في الآونة الأخيرة وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة، وصمود النمو الاقتصادي، وزيادة الإنفاق الحكومي إلى إبقاء التضخم عند مستويات مرتفعة.
وتتعرض أسواق السندات حول العالم لضغوط منذ أشهر، ما دفع العوائد إلى مستويات هي الأعلى في عقود، مع ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في إيران، وسط قلق المستثمرين من الإنفاق الحكومي. ويعني ارتفاع عوائد السندات انخفاض أسعارها.
وازداد قلق المستثمرين في الآونة الأخيرة مع تسارع موجة البيع في الولايات المتحدة، أكبر سوق للسندات الحكومية وأكثرها تأثيرًا في العالم.
وصعد عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى ما يزيد قليلًا على 5.46%، وهو أعلى مستوى منذ 2004، بينما ارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى 5.14% بعد أن لامس أعلى مستوى في 19 عامًا.
وحتى الآن، استوعب المستثمرون ارتفاع العوائد في ظل صمود النمو الاقتصادي الأساسي، وازدهار أرباح الشركات، وموجة الإنفاق الهائلة التي يقودها طفرة الذكاء الاصطناعي. وأغلق مؤشر ناسداك، المثقل بأسهم التكنولوجيا، عند مستوى قياسي مرتفع يوم الثلاثاء.
لكن تكاليف الاقتراض قد تقترب من مستوى يمكن أن تبدأ عنده الأسواق المالية العالمية في مواجهة اضطرابات، بينما يشعر المستهلكون بتزايد الضغوط. وبلغت معدلات الرهن العقاري الأمريكي لأجل 30 عامًا نحو 7%، أي أعلى بنقطة مئوية من مستوياتها قبل الحرب، وقرب أعلى مستوياتها في عامين.
وتسارعت موجة البيع يومي الأربعاء والخميس بعدما أظهرت بيانات النشاط الاقتصادي قوة النمو الأمريكي وتزايد ضغوط التضخم، ما عزز توقعات رفع أسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وفي حين تعكس عوائد سندات الخزانة قصيرة الأجل توقعات أسعار الفائدة، يعكس عائد السندات لأجل 30 عامًا استعداد المستثمرين لتمويل الاقتراض الحكومي خلال السنوات المقبلة.
وقال زاكاري جريفيثس، رئيس استراتيجية السندات ذات الدرجة الاستثمارية واستراتيجية الاقتصاد الكلي لدى “كريديت سايتس” في شارلوت بولاية نورث كارولينا: “نشهد إعادة تسعير لعدة عوامل؛ فقد ظل النمو الاقتصادي الأمريكي صامدًا، وهذا سبب أكثر إيجابية لوجودك في بيئة تتسم بارتفاع معدل العائد الخالي من المخاطر”.
وأضاف: “مع تزامن النمو الاقتصادي مع مثل هذه العجوزات الكبيرة، ليس في الولايات المتحدة فقط وإنما في الأسواق المتقدمة أيضًا، يبدو أن ذلك يدفع إلى تدقيق أكبر في الوضع المالي. إنه أمر نتحدث عنه منذ نحو عقد، لكنه ازداد سوءًا فحسب”.
وتواجه أكبر الاقتصادات في العالم ارتفاع تكاليف خدمة الدين مع تصاعد احتياجات الإنفاق. وقالت وكالة التمويل الألمانية يوم الخميس إنها تتوقع أن يصل الاقتراض الاتحادي إلى مستوى قياسي عند 525.5 مليار يورو (598 مليار دولار) في 2026، وأن يرتفع أكثر في العام المقبل، مدفوعًا بشكل رئيسي بزيادة احتياجات إعادة التمويل وتنامي متطلبات الصناديق الخاصة.
وتجاوز عائد السندات الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة 3.6% هذا الشهر، وهو أعلى مستوى في 17 عامًا.
كما بلغ عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات يوم الخميس أعلى مستوى له منذ 1996.
المستثمرون لا يزالون هادئين
ومع نمو الاقتصاد الأمريكي بالقيمة الاسمية بنحو 8% في الربع الثاني وعدم وجود مؤشرات على تباطؤ ملموس، ظل المستثمرون متماسكين.
واتخذ وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إجراءات استثنائية لمحاولة احتواء ارتفاع تكاليف الاقتراض، من بينها التدخل لشراء الين لتجنب اضطرار المسؤولين في طوكيو إلى بيع سندات الخزانة لتمويل ذلك، أو توسيع عمليات إعادة شراء الديون لأجل 20 و30 عامًا، لكن دون تأثير يُذكر، مع استمرار ارتفاع العوائد.
وتتمتع الولايات المتحدة بالفعل ببعض أعلى عوائد السندات بين دول مجموعة السبع الأغنى في العالم.
وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون وليامز يوم الخميس إن الاقتصاد الأمريكي يظهر “مرونة ملحوظة”.
وقال هانك كالينتي، استراتيجي الأسواق العالمية لدى “SMBC EMEA”: “تتنافس سندات الخزانة مع بقية السوق على الشراء، وبالتالي فإن السؤال هو: إلى أي مدى يمكن أن ترتفع العوائد؟”.




