كشف تقرير مساعدة فنية عالي المستوى أعده صندوق النقد الدولي لمصر بشأن تطوير استراتيجية تمويل مخاطر الكوارث، عن فجوات محتملة في تمويل تداعيات الكوارث الطبيعية، مع تقديرات تشير إلى ارتفاع الاحتياجات التمويلية من نحو 336 مليون دولار لحدث يُحاكى تكراره مرة كل 5 سنوات إلى نحو 1.1 مليار دولار لحدث يُحاكى تكراره مرة كل 50 عامًا.

وحمل التقرير الذي اطلعت عليه منصة “كيميت بزنس” عنوان “مصر: تطوير استراتيجية لتمويل مخاطر الكوارث”، وأعده فريق من إدارة الشؤون المالية بصندوق النقد الدولي لتقييم قدرة مصر على التعامل ماليًا مع مخاطر الكوارث الطبيعية، واقتراح إطار أكثر انتظامًا للتمويل المسبق والاستجابة المالية بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على ترتيبات ما بعد وقوع الكارثة.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن متوسط الخسائر السنوية جراء الكوارث في مصر قد يصل إلى نحو 316 مليون دولار.

فيما ترتفع الاحتياجات التمويلية المقدرة من 336 مليون دولار للكوارث ذات معدل التكرار المنخفض “مرة كل 5 سنوات” إلى نحو 1.1 مليار دولار للكوارث الشديدة “مرة كل 50 سنة”، مع استحواذ تكاليف إعادة الإعمار على الجزء الأكبر من الاحتياجات.

تقديرات الخسائر والاحتياجات التمويلية لمصر في حال وقوع كوارث طبيعية

البيانالقيمة
متوسط الخسائر السنوية المتوقعة نتيجة الكوارث الطبيعية والمخاطر المناخية316 مليون دولار
احتياجات تمويلية لكارثة تحدث مرة كل 5 سنوات (منخفضة الشدة)336 مليون دولار
احتياجات تمويلية لكارثة شديدة تحدث مرة كل 50 سنة (كالزلازل المدمرة)1.1 مليار دولار

الفيضانات والعواصف الأكثر تكرارًا والزلازل الأقل حدوثًا

وقال صندوق النقد الدولي إن ملف مخاطر الكوارث في مصر يتأثر بطبيعتها الجغرافية الجافة، إلى جانب تركز السكان والأصول الاقتصادية في وادي النيل والدلتا.

وتعد الفيضانات والعواصف أكثر المخاطر الطبيعية تكرارًا، لكنها عادة ما تكون محلية التأثير ومحدودة الأثر على المالية العامة على المستوى الوطني، في حين أن الزلازل أقل تكرارًا لكنها قد تكون شديدة التأثير.

وفي الوقت نفسه، يتوقع التقرير تصاعد المخاطر المرتبطة بالمناخ، بما في ذلك الحرارة الشديدة والعواصف وارتفاع مستوى سطح البحر والجفاف الهيدرولوجي، لا سيما في المناطق الساحلية وعلى امتداد ممر النيل.

ويرى الصندوق أن قابلية التأثر بهذه المخاطر تتفاقم بفعل سرعة التوسع العمراني، وارتفاع مستويات الفقر الريفي، والاعتماد شبه الكامل على نهر النيل كمصدر للمياه العذبة.

الكوارث الطبيعية الأكثر تأثيراً على مصر

الفيضانات والعواصف مرتفع 🔄 لكن التأثير محلي ومحدود
الزلازل نادر ⚠️ لكن التأثير شديد وكارثي
المخاطر المناخية (حرارة/جفاف/ارتفاع البحر) متصاعد 📈 لكن التأثير هيكلي ومتزايد

احتياطي الطوارئ قد يكفي لكنه لا يغطي جميع السيناريوهات

وبحسب التقرير، فإن الاحتياطي العام للطوارئ يمثل الأداة المالية الأساسية المتاحة لمصر لمواجهة الصدمات، ويبدو كافيًا من حيث المبدأ لتلبية الاحتياجات، لكن قدرته الفعلية قد تتأثر بتزاحم المطالب التمويلية الأخرى وتوقيت وقوع الكارثة خلال السنة المالية.

ويحذر الصندوق من أن ذلك قد يؤدي إلى ظهور فجوات في التمويل الحكومي عند وقوع الكوارث الكارثية، خصوصًا إذا تزامنت مع ضغوط على الاقتصاد الكلي.

كما أن انخفاض معدلات التأمين وارتفاع توقعات الجمهور بتدخل الدولة في إعادة الإعمار يخلقان فجوة كبيرة في إعادة الإعمار الخاص، إلى جانب التزامات طارئة ضمنية كبيرة على الحكومة.

ورصد التقرير تقدمًا حققته مصر في إدارة المخاطر المالية، من بينها تحسين الإفصاح عن الموازنة، وإنشاء وحدة للمخاطر المالية بوزارة المالية، وتطوير سجل للمخاطر المالية يتضمن المخاطر المرتبطة بالمناخ.

لكن الصندوق أشار في الوقت نفسه إلى وجود فجوات في تسجيل وإبلاغ الآثار المالية الكاملة للكوارث بصورة منهجية.

 ووفق التقرير، تعتمد الممارسة الحالية أساسًا على التمويل بعد وقوع الكارثة من خلال الاحتياطي العام للطوارئ، وهو احتياطي يتمتع بالمرونة والحجم، لكنه يُستخدم كذلك للتعامل مع صدمات غير طبيعية ولا يُجرى من خلاله فصل الإنفاق المرتبط بالكوارث وإظهاره بصورة مستقلة.

ويرى الصندوق أن هذا النهج كان كافيًا في ضوء الطبيعة المحدودة والمحلية للكوارث التي تعرضت لها مصر تاريخيًا، لكنه يترك المالية العامة مكشوفة أمام الأحداث منخفضة الاحتمال مرتفعة التأثير، خاصة إذا وقعت في وقت تتعرض فيه الاقتصاد لضغوط، مع استمرار ارتفاع الالتزامات الحكومية الضمنية الناتجة عن ضعف التأمين وتوقعات الدعم الحكومي.

ودعا التقرير إلى تحسين جمع البيانات، وزيادة شفافية إجراءات المشتريات في حالات الطوارئ، وإدخال سيناريوهات أكثر شدة للكوارث في عمليات التخطيط، إلى جانب دراسة أدوات محددة لنقل المخاطر أو تقليلها لتعزيز الجاهزية المالية والقدرة على الصمود.

أبرز العوامل التي تضاعف مخاطر الكوارث الطبيعية على مصر

الاعتماد على النيل اعتماد شبه كامل على مصدر مائي واحد للعذوبة
التركز السكاني تركز الأصول والسكان بكثافة في الوادي والدلتا
ضعف التأمين انخفاض معدلات التأمين الخاص يرفع الالتزامات المالية على الدولة
احتياطي الطوارئ المصد المالي الرئيسي كافٍ مبدئياً، لكنه يواجه منافسة من بنود إنفاق أخرى

الاستجابة المسبقة للكوارث ما زالت محدودة

اعتبر صندوق النقد الحماية الاجتماعية إحدى الركائز ذات الأهمية الاقتصادية الكلية في استراتيجية التنمية المصرية، مع توجه متزايد نحو التحويلات النقدية الموجهة لتعزيز العدالة وتنمية رأس المال البشري والاستجابة للصدمات.

وأشار إلى أن توحيد وتوسيع برنامج تكافل وكرامة، إلى جانب مبادرات الإدماج الاقتصادي مثل فرصة وإعادة توجيه بنود من الموازنة نحو المساعدات الموجهة، يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لدعم الأسر الأكثر عرضة للصدمات وتعزيز قدرتها على الصمود.

لكن التقرير لفت إلى أن التنسيق قبل وقوع الكوارث لتقديم المساعدات المرتبطة بها لا يزال محدودًا، مع وجود استجابات نقدية وعينية متفرقة وقلة في البروتوكولات الموحدة التي تنظم التدخلات.

وفي القطاع المالي، أشار الصندوق إلى أن النظام المصرفي المصري والبنية التحتية المالية الرقمية أظهرا قدرة قوية على الاستجابة خلال الأزمات، لكنه رصد استمرار فجوات، خصوصًا محدودية وصول المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة إلى التمويل، وانخفاض معدلات التأمين على غير الحياة، وهو ما يمكن أن يزيد من الالتزامات الطارئة الضمنية على الحكومة.

ويرى صندوق النقد الدولي أن استراتيجية تمويل مخاطر الكوارث يمكن أن توفر إطارًا موحدًا يربط بين المساعدات الاجتماعية المستجيبة للصدمات، ودعم القطاع المالي، وتطوير سوق التأمين، بما يحقق توازنًا بين سرعة تقديم الدعم بعد الكارثة والاستدامة المالية وزيادة قدرة الأسر والقطاع الخاص على حماية أنفسهم.

مصر لديها مؤسسات وآليات قائمة

أشار التقرير إلى أن مصر قطعت خطوات مهمة في بناء الأسس القانونية والمؤسسية اللازمة لاستراتيجية تمويل مخاطر الكوارث، بما في ذلك وجود آلية تنسيق على مستوى مجلس الوزراء لإدارة مخاطر الكوارث، وإطار متكامل للمالية العامة يسمح بالاحتياطيات الطارئة والإنفاق في حالات الطوارئ، إلى جانب التطور الذي أحرزته وزارة المالية في تحليل المخاطر المالية من خلال وحدة المخاطر المالية.

كما تستند منظومة إدارة المخاطر إلى أطر وسياسات قائمة، من بينها رؤية مصر 2030، والاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ، والاستراتيجية الوطنية للحد من مخاطر الكوارث، وهي أطر تعترف بدور المالية العامة والأدوات الخاصة في بناء القدرة على الصمود.

لكن صندوق النقد يرى أن الإطار المؤسسي لا يزال مجزأً، مع محدودية في الشفافية وغموض في الأدوار والمسؤوليات بين الجهات المختلفة، خصوصًا فيما يتعلق بوظائف تمويل مخاطر الكوارث.

الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التخطيط المسبق

ويخلص التقرير إلى أن إضفاء الطابع المؤسسي على استراتيجية تمويل مخاطر الكوارث يمكن أن يساعد مصر في تجميع نقاط القوة القائمة، وتوضيح الاختصاصات، وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية، وتحسين الشفافية وتبادل البيانات، بما ينقل البلاد من النهج الحالي القائم بدرجة كبيرة على تمويل الكوارث بعد وقوعها إلى نهج أكثر استراتيجية وكفاءة واستدامة ماليًا.

ويربط صندوق النقد تطوير هذه الاستراتيجية بعدد من أولويات رؤية مصر 2030، تشمل الاستقرار الاقتصادي الكلي، وضبط أوضاع المالية العامة، وتعزيز التخطيط متوسط الأجل، وتوسيع الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية، وزيادة القدرة على مواجهة تداعيات التغير المناخي.