تعمقت موجة بيع السندات في الأسواق العالمية يوم الثلاثاء، في ظل قلق المستثمرين بشأن التضخم ومستويات الدين الحكومي، بما ينذر بزيادة الضغوط على المستهلكين والشركات.

وسجل عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات 3% للمرة الأولى منذ عام 1996، مع تراجع أسعار السندات وارتفاع العوائد في الاقتصادات الكبرى حول العالم. وبلغت العوائد أعلى مستوياتها في 15 عامًا في ألمانيا، وأعلى مستوياتها منذ 2008 في بريطانيا.

وفي الولايات المتحدة، ارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات 3 نقاط أساس إلى 4.788%، مقتربًا من أعلى مستوياته منذ 2023.

وزادت بعض أكبر الاقتصادات في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أعباء ديونها بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة نتيجة الإنفاق بالعجز، إذ بلغ الدين الأميركي 40 تريليون دولار.

ويحذر المستثمرون من أن هذا التحول قد يكون هيكليًا وليس مؤقتًا، وأن معالجته ستتطلب قرارات صعبة على المستوى الوطني.

وفي الوقت نفسه، أدت الحروب، من روسيا وأوكرانيا إلى الشرق الأوسط، إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما زاد الضغوط على أسعار الفائدة وتكاليف المعيشة.

وقال ديفيد كراكاور، نائب رئيس إدارة المحافظ في شركة “ميرسر أدفايزرز”، إن التطورات الحالية تبدو في الأساس مرتبطة بالولايات المتحدة، رغم أن العوامل العالمية تزيد من حدتها، مشيرًا إلى أن المحركات الرئيسية تتمثل في الإنفاق بالعجز، وتكلفة خدمة الدين المتزايد، والتغيرات في آليات مزادات سندات الخزانة.

وأوضح أن المستثمرين الحساسين للأسعار، مثل صناديق التحوط وشركات القطاع الخاص الأخرى، حلوا جزئيًا محل المشترين الرسميين غير الحساسين للأسعار، مثل البنوك المركزية.

ويزيد من الضغوط على سوق السندات تدفق إصدارات الديون من شركات التكنولوجيا الكبرى التي تجمع أموالًا بشكل مكثف لتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي.

مخاوف من ارتفاع تكاليف التمويل

كان لوزارة الخزانة الأميركية تدخل في الأسواق الشهر الماضي في محاولة للحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض، التي يمكن أن تنعكس على ارتفاع أسعار الفائدة على القروض، من الرهون العقارية للأسر إلى قروض الشركات.

وتقترب عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عامًا من أعلى مستوياتها في 19 عامًا.

وقال فريدريك نيومان، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا في “إتش إس بي سي”، إن العديد من الأسواق المتقدمة شهدت ارتفاعًا في تكاليف التمويل طويلة الأجل، مع زيادة احتياجات الاقتراض لدى القطاعين العام والخاص.

وتعكس الزيادة في عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3% حجم التحول في الأسواق، إذ بلغ العائد هذا المستوى للمرة الأولى منذ 30 عامًا، في تطور كان يبدو حتى وقت قريب غير متصور، بعد أكثر من عقد من مشتريات البنوك المركزية الضخمة للديون، والتي أبقت أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع.

وقال تاي هوي، كبير استراتيجيي الأسواق لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في “جيه بي مورجان لإدارة الأصول”، إن الجمود في الشرق الأوسط يهدد بدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، بينما لم تُتخذ سوى إجراءات محدودة لمعالجة العجز المالي في كل من الولايات المتحدة واليابان.

وارتفع خام برنت بنحو 2% إلى أكثر من 92 دولارًا للبرميل يوم الثلاثاء، فيما وصلت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية إلى أعلى مستوياتها منذ مارس، بعد أن شهد يوم الاثنين أول تبادل لهجمات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران خلال شهر.

هل انتهى عصر العوائد المنخفضة؟

وفي اليابان على وجه الخصوص، يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة تكلفة خدمة أكبر أعباء الديون في العالم المتقدم، في وقت تخطط فيه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي لاستثمارات كبيرة.

وصعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ يناير 2025 عند 4.798%، بينما بلغ عائد السندات لأجل 30 عامًا 5.27%، أي أقل بـ6 نقاط أساس فقط من مستوياته قبل تدخل وزارة الخزانة في أغسطس.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن المخاوف بشأن ارتفاع الدين والعوائد تتجاهل قوة الاقتصاد الأميركي.

وفي ألمانيا، بلغ عائد السندات لأجل 10 سنوات 3.35%، وهو أعلى مستوى منذ 2011، بالتزامن مع بيانات أظهرت ارتفاع التضخم في منطقة اليورو فوق 3% في أغسطس، ما عزز الرهانات على رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في سبتمبر.

وارتفع عائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات إلى 5.25%، وهو أعلى مستوى منذ 2008.

وسجلت العوائد في بريطانيا ومنطقة اليورو أعلى مستوياتها في أكثر من 10 سنوات، مع تسبب أزمة الشرق الأوسط في زيادة الضغوط السعرية عالميًا وتعزيز توقعات الأسواق بشأن رفع البنوك المركزية أسعار الفائدة قريبًا.

ويرى محللون أن عوامل مختلفة تقف وراء ارتفاع تكاليف الاقتراض عالميًا.

وقالت فرانسيس تشيونغ، رئيسة استراتيجية أسعار الصرف والفائدة في بنك “OCBC”، إن الارتفاع في أوروبا وبريطانيا يرجع بدرجة أكبر إلى زيادة توقعات التضخم، بينما يرتبط ارتفاع العوائد طويلة الأجل في الولايات المتحدة بصورة أكبر بارتفاع العوائد الحقيقية، مع بدء صعود توقعات التضخم أيضًا.

وتشير العوائد الحقيقية إلى العائد الذي يطلبه المستثمر في السندات فوق معدل التضخم، وهي مؤشر على التكلفة الحقيقية للاقتراض بالنسبة للحكومات والشركات، ويمكن أن تتأثر بعدة عوامل، من بينها النمو الاقتصادي طويل الأجل.

وكان بيسنت قد قلل أيضًا من المخاوف بشأن سوق السندات في مقابلة مع رويترز يوم الأحد، قائلًا إن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة سيتلاشى.

وقال ميشيل توكر، كبير محللي أسعار الفائدة في بنك “ING”، إن النمو الاقتصادي إلى جانب ارتفاع العجز وزيادة إصدارات السندات يدفع العوائد الحقيقية إلى الارتفاع.

وأضاف: “لا يوجد تحول سهل في الاتجاه… ومن الصعب رؤية من سيتولى الجانب الآخر من هذه الصفقة”، في إشارة إلى المستثمرين الذين يراهنون على انخفاض العوائد.

وقد تصبح التطورات العالمية معززة لذاتها، إذ يمكن لارتفاع العوائد في سوق ما أن يدفعها إلى الارتفاع في أسواق أخرى.

وسجلت عوائد السندات الأسترالية لأجل 10 سنوات يوم الثلاثاء أكبر ارتفاع لها في خمسة أشهر، ويرجع ذلك جزئيًا إلى مخاوف من أن ارتفاع عوائد السندات اليابانية قد يعني تراجع مشتريات المستثمرين اليابانيين من الديون الأسترالية.

وقال براشانت نيوانها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في “TD Securities”، إن المزيد من ارتفاع العوائد اليابانية قد يدفع إلى إعادة توزيع تدريجية للاستثمارات نحو الأصول اليابانية.

وأضاف: “إنه تحول حقيقي في النظام. كانت السندات الحكومية اليابانية لفترة طويلة مرساة لسوق الدخل الثابت العالمي، والآن انقلب الوضع”.

(رويترز)